الشوكاني
65
فتح القدير
أي فيما ذكر من مد الأرض وإثباتها بالجبال ، وما جعله الله فيها من الثمرات المتزاوجة ، وتعاقب النور والظلمة آيات بينة للناظرين المتفكرين المعتبرين ( وفى الأرض قطع متجاورات ) هذا كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع آخر من أنواع الآيات ، قيل وفى الكلام حذف : أي قطع متجاورات ، وغير متجاورات كما في قوله - سرابيل تقيكم الحر - أي وتقيكم البرد . قيل والمتجاورات : المدن وما كان عامرا ، وغير المتجاورات : الصحارى وما كان غير عامر وقيل المعنى : متجاورات متدانيات ، ترابها واحد وماؤها واحد ، وفيها زرع وجنات ، ثم تتفاوت في الثمار فيكون البعض حلوا والبعض حامضا ، والبعض طيبا والبعض غير طيب ، والبعض يصلح فيه نوع والبعض الآخر نوع آخر ( وجنات من أعناب ) الجنات : البساتين ، قرأ الجمهور برفع جنات على تقدير : وفى الأرض جنات ، فهو معطوف على قطع متجاورات ، أو على تقدير : وبينها جنات . وقرأ الحسن بالنصب على تقدير : وجعل فيها جنات ، وذكر سبحانه الزرع بين الأعناب والنخيل ، لأنه يكون في الخارج كثيرا كذلك ، ومثله في قوله سبحانه - جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا - ( صنوان وغير صنوان ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ( وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ) برفع هذه الأربع عطفا على جنات . وقرأ الباقون بالجر عطفا على أعناب وقرأ مجاهد والسلمي بضم الصاد من صنوان وقرأ الباقون بالكسر ، وهما لغتان . قال أبو عبيدة صنوان : جمع صنو ، وهو أن يكون الأصل واحدا ، ثم يتفرع فيصير نحيلا ، ثم يحمل ، وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير . قال ابن الأعرابي : الصنو : المثل : ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " عم الرجل صنو أبيه " فمعنى الآية على هذا : أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون . قال في الكشاف : والصنوان جمع صنو ، وهى النخلة لها رأسان وأصلها واحد ، وقيل الصنوان المجتمع ، وغير الصنوان المفترق . النحاس : وهو كذلك في اللغة ، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر : صنوان . والصنو : المثل ، ولا فرق بين التثنية والجمع إلا بكسر النون في المثنى ، وبما يقتضيه الإعراب في الجمع ( يسقى بماء واحد ) قرأ عاصم وابن عامر : يسقى بالتحتية : أي يسقى ذلك كله . وقرأ الباقون بالفوقية بإرجاع الضمير إلى جنات . واختاره أبو حاتم وأبو عبيد وأبو عمرو . قال أبو عمرو : التأنيث أحسن لقوله ( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) ولم يقل بعضه . وقرأ حمزة والكسائي " يفضل " بالتحتية كما في قوله - يدبر الأمر يفصل الآيات - وقرأ الباقون بالنون على تقدير : ونحن نفضل وفى هذه الدلالة على بديع صنعه وعظيم قدرته ما لا يخفى على من له عقل - فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد وتتفاضل في الثمرات في الأكل ، فيكون طعم بعضها حلوا والآخر حامضا ، وهذا في غاية الجودة ، وهذا ليس بجيد ، وهذا فائق في حسنه . وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه ، لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا لسببين : إما اختلاف المكان الذي هو المنبت ، أو اختلاف الماء الذي تسقى به ، فإذا كان المكان متجاورا ، وقطع الأرض متلاصقة ، والماء الذي تسقى به واحدا ، لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب ، ولهذا قال الله سبحانه ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) أي يعملون على قضية العقل وما يوجبه غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات والاعتبار في العبر الموجودات وقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( المر ) قال : أنا الله أرى . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد " المر " فواتح يفتتح بها كلامه وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله ( تلك آيات الكتاب )